خواطر عامة

أن تكون وحيداً !

ان تكون وحيدا

فيودور دوستوفسكي

أتينا وحيدين، و سنموت كذلك !

عندما تشد الرحال مرغما عبر قطار الحياة، تضربك الحياة مرارا و تكرارا، بين لحظات أمل تتخلها لحظات تفكير حزينة، فعندما تجد نفسك محاصر، و ترى أن أحلامك بدأت تسقط بسرعة، ترتشف كوب قهوة مر بمذاق الإنهيار… لا نهتم بأنفسنا بل بمن وهبوا أنفسهم لإسعادنا، خلف إبتسامتنا ألف حكاية… كثر هم من لمست روحهم معنى الوحدة… نودع أنفسنا مرغمين ، لتعود الروح إلى سجن الوحدة العاجي، كلما غمرتني رياح الحزن أو إخترقني شعاع فرح وضعت سماعات الأذن ، لتنطلق أغنية روسية لمغنية تدعى يولكا, ” كل شيء يعتمد علينا “، هكذا تكلمت يولكا, من أغنية روسية إلى كاتب روسي لامس خفايا النفس البشرية، دوستويفسكي، و على لسان إحدى شخصياته يقول :

شعرت برغبة فى البكاء عندما أخبرني أحدهم إننى قوية وأنه معجب بذلك، لا يعلم أننى فضّلت السلام بدلاً من المكافحة، وأن روحي تبكي من الوحدة

قرن بعد هذه الكلمات خطت أنامل درويش :

في أَعماقي موسيقى خفيّة، أّخشى عليها من العزف المنفرد

كلاهما عبر عن نفس الشيء بطريقة مختلفة…

إنطلقت زخات مطر خارج البيت، برد قارس، تحت غطاء دافئ إختبأ جسمي، بعد مرور وقت غير معلوم داهمني النوم، وجدت نفسي داخل قاعة محكمة، مصفد اليدين و معصوب العينين، أرى نفسي هناك كروح خرجت تراقب جسدها، رفعت العصابة لأجد نفسي في محكمة تترأسها ”الحياة“، لم أستوعب الموقف، أمامي ضباب لكن نحن داخل قاعة محكمة، لا أكاد أرى القاضي لكنها عرفت عن نفسها بأنها ”الحياة“، أسمع أصوات بدون مصدر، هل جننت؟ كيف وصلت إلى هنا ؟ حاولت التذكر، بدأت الاحداث تتجمع كما تتجمع قطعة أحجية يصادفها طفل لأول مرة…

لقد تم القبض علي، لا أتذكر لماذا، تم نقلي من مكان إلى مكان، أشخاص بدون ملامح، في مشهد سريالي تم إدخالي إلى المعتقل، مكان تحت الأرض، صمت رهيب ممزوج ببرد قارس. داخل زنزانتي الإنفرادية، جدران تملأها جمل نحتت بإرادة من حط رحاله بهذا المكان، ربما كتبت بملعقة، لأنها الوسيلة الوحيدة للكتابة داخل نصف مكعب إسمنتي، متران طولا و واحد عرضا، ثقوب صغيرة يتسلل منها ضوء ممزوج بالهواء، وقعت عيني على جمل إسمنتية :

في داخلي شرفة لا يمر بها أحد للتحية! -دوريش-

بين الحزن واللامبالاة .. سأختار الحزن -علي عزت بيجوفيتش-

ماذا يقصدون؟ من مر من هنا؟

الرابعة بعد الظهر، وجبة الغذاء، أدخلها الحارس، بنظرة خبيثة : تغمرك الوحدة، تظن أن الجميع فعلا وحيد ! سأعود لأخد الطبق بعد خمس دقائق، يقفل الباب بعنف…تناولت طعامي بسرعة، عاد بعد أن أنفق من جيبه خمسة دقائق، أخد الصحن و ترك لي الملعقة، تركها لأول مرة بعد أسبوع من إعتقالي، رغم أني حارس سجن إلا أن بداخلي إنسان، هكذا نطق لسان الحارس، أضاف : تركت لك الملعقة لتكتب على جدران الزنزانة قطع من روحك، أخر من زار الزنزانة مجنون وحيد، عاشق للأدب ضل يكرر نحن وحيدون !! أتبعها بقهقهات ساخرة و أغلق الباب.

مرت ساعات، هناك تلك الغرفة المظلمة لدى كل شخص منا، تضم لحظات الإنكسار التي عشتها وحيدا، لحظات الفرح لحظات زائفة، لحظات الحزن تتجلى فيها لمسات صدق نقي، طيلة ساعات، حاولت تفتيت ملمترات من الإسمنت البارد، مرت الأيام وأنهيت العبارة :

أيها الواقف على عتبات الحلم لا تتوقف، ستخسر المعركة تلو الأخرى لكن إياكـ ان تخسر نفسك…صمتك الخارجي عواصف داخلية…أيضا المار بين صمتين، إن ما تراه جميلا،ليس إلا إنعكاس الجمال الذي بداخلك…عندما تخرج منتصراً من المعارك التى خسرتها قل لنفسك شكرا…أيها الواقف على ناصية الحلم كن عنوان قصيدة لم تكتب بعد…

بعد إنتهائي من نقش هذه الحروف الناطقة، أخرجني حارس السجن و تم نقلي للمحاكمة، هذا ما وقع، القاضي يتكلم الأن: ” قضيت أن يكون النصر لمن يحتمل الضربات، لا لمن يضربها.“ – مصطفى صادق الرافعي- كررها القاضي ثلاث مرات، إستيقظت في المرة الثالثة، إنه حلم مخيف ، شعور الوحدة يخيفنا بقدر تملكه لنا، فهل نحن وحيدون فعلا ؟

لا تتذكر اللحظات الجميلة، فالجميع سيحيطك في تلك اللحظات،تذكر من سيرافقك في كل خطوة، تذكر من كان بجانبك في لحظات ضعفك، اللحظات التي وجدت فيها نفسك وحيدا رغم أن الجميع حولك…ربما كنت محظوظا لكوني إلتقيت بأرواح نقية في رحلة الحياة، شكرا لمن رسم يوما إبتسامة على شفاهنا بدون كلمات, تستمر الحياة و يصادقني من جديد شعور الوحدة… أهلا أيها الصديق !

الكاتب

  • نوفل حاتم – المغرب
السابق
فوائد الثوم على الريق
التالي
كيفية حماية شعرك من أن يصبح دهنيا

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن